وهبة الزحيلي
37
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أو المراد : يمتاز المجرمون بعضهم عن بعض ، فاليهود فرقة ، والنصارى فرقة ، والمجوس فرقة ، والصابئون فرقة ، وعبدة الأوثان فرقة ، والماديون والملحدون فرقة ، وهكذا . ثم أبان اللّه تعالى سبب تمييزهم عن غيرهم ، موبخا ومقرعا لهم على كفرهم ، فقال : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي ألم أوصكم وآمركم وأتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم ألا تطيعوا الشيطان فيما يوسوس به إليكم من معصيتي ومخالفة أمري ، فإن الشيطان ظاهر العداوة لكم ، بدءا من أبيكم آدم عليه السلام . وبعد النهي عن عبادة غير اللّه أمر تعالى بعبادته ، فقال : وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي وأن وحّدوني وأطيعوني فيما أمرتكم به ، ونهيتكم عنه ، وهذا المأمور به والمنهي عنه هو الطريق المعتدل القويم ، وهو دين الإسلام . ثم أخبر اللّه تعالى عن مساعي الشيطان في إضلال السابقين ، فقال : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً ، أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ؟ أي لقد أغوى الشيطان خلقا كثيرا ، وزين لهم فعل السيئات ، وصدهم عن طاعة اللّه وتوحيده ، أفلم تعقلوا عداوة الشيطان لكم ، وتبتعدوا عن مثل ضلالات السابقين ، حتى لا تعذبوا مثلهم . ثم بيّن اللّه تعالى مآل أهل الضلال قائلا لهم يوم القيامة تقريعا وتوبيخا : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أي هذه النار التي وعدتم بها في الدنيا وحذرتكم منها على ألسنة الرسل فكذبتموهم ، وقد برزت لهم لإرهابهم .